
حادثة الدبة المؤسفة
✍️ بقلم: د. الباقر عبد القيوم علي
مقالات _ الهدهد نيوز _ شهدت مدينة الدبة بولاية الشمالية مؤخراً حادثة مؤسفة تمثلت في اندلاع اشتباكات عنيفة بين مجموعة من الشباب، تطورت بشكل خطير إلى استخدام السلاح في الأماكن العامة، ما أسفر عن سقوط ضحايا أبرياء، قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية وتتمكن من احتواء الموقف بشكل عاجل. ورغم السيطرة على الحدث، إلا أن ما وقع يثير جملة من التساؤلات التربوية والاجتماعية والأمنية، ويبعث برسائل لا ينبغي تجاهلها.
من المهم، بدايةً، التأكيد على أن ما جرى – بحسب تأكيدات الجهات الرسمية – لا يمثل صراعاً قبلياً بين قبيلتي الهواوير والكبابيش كما تم تداوله، بل هو خلاف فردي بين بعض الشباب، تم تضخيمه حتى كاد أن يتحول إلى صراع مجتمعي يهدد النسيج الاجتماعي المحلي. وقد ساهمت بعض الجهات في تأجيج الموقف عبر تضخيم الحدث وتسييسه أو تأطيره في قالب قبلي، في محاولة مكشوفة لتحويل نزاع محدود إلى أزمة مجتمعية كبرى.
إن مثل هذه الحوادث تبرز خطورة تساهل المجتمع مع ظاهرة التسلح غير المنضبط، والتي تحولت إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم العام، وتعرض أرواح الأبرياء للخطر. كما أنها تكشف عن هشاشة المنظومة الاجتماعية في ظل غياب ثقافة الحوار وضبط النفس، خاصة بين أوساط الشباب الذين أصبحوا أكثر عرضة للاندفاع والتهور.
ولا تقتصر المسؤولية على الأسرة أو المؤسسات التعليمية، بل تمتد لتشمل وسائل الإعلام، وقيادات المجتمع، والمثقفين، وكل من يمتلك منبراً يؤثر عبره في تشكيل الرأي العام. فالشائعات والمعلومات المغلوطة التي تُنشر على بعض المنصات تسهم في إذكاء نار الفتنة وتضليل الجمهور، كما أنها تدفع بالبعض إلى مواقف انفعالية خاطئة، على غرار ما حدث من إطلاق نداءات فزع غير مدروسة.
كما أنه من الضروري غرس مفاهيم جديدة في أذهان الناشئة تقوم على احترام القانون، والاحتكام إلى العقل، وعدم الانجرار وراء ردود الفعل العاطفية. فالمجتمعات القوية تُقاس بقدرتها على معالجة الخلافات بالحكمة والتماسك، لا بعدد الأسلحة التي يحملها أبناؤها في الشوارع.
ومن هذا المنطلق، فإن للدولة الحق الكامل في بسط هيبتها، وفرض سيادة القانون، واتخاذ ما يلزم من إجراءات حاسمة تجاه كل من يعبث بالأمن العام أو يحمل السلاح دون ترخيص. كما أن على المواطن أن يتحمل مسؤوليته في حفظ الاستقرار من خلال احترام القانون وتفويت الفرصة على من يسعى إلى نشر الفوضى.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشيد بالموقف المسؤول والواعي الذي أبداه زعماء القبيلتين، والذين سارعوا إلى احتواء الموقف، والتعاون مع السلطات لإخماد الفتنة وتهدئة الأوضاع. هذا الدور الإيجابي يُبرهن على أهمية المرجعيات الاجتماعية في تعزيز السلم الأهلي، شريطة أن تتقاطع حكمتها مع هيبة الدولة في حماية المجتمع.
لقد دقت حادثة الدبة ناقوس خطر حقيقي يستدعي مراجعة شاملة لكل المنظومة القيمية والأمنية، وضرورة إعادة الاعتبار لمفاهيم المسؤولية المجتمعية. فبناء المجتمعات لا يتم بالقوة، بل بالوعي والتفاهم، والقدرة على إدارة الأزمات بالحكمة.
وختاماً، لا يسعني إلا أن أعرب عن بالغ حزني لما خلفته هذه الأحداث من ضحايا أبرياء، سائلاً الله تعالى أن يتغمد من فقدناهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وأن يحفظ وطننا من كل شر، ويعيد الطمأنينة إلى أهله أينما كانوا.