
تساؤلات حول حياد كينيا بعد ظهور تقارير عن دعم محتمل للدعم السريع
بقلم صباح المكّي
الجزء الأول: الوجه المزدوج — الوساطة أم المؤامرة؟
الهدهد نيوز – يوليو 7, 2025 كشفت تقارير وتحقيقات ميدانية متطابقة عن أدلة متزايدة تشير إلى تورّط الحكومة الكينية في دعم مليشيا الدعم السريع، في وقت تروّج فيه نيروبي لدورها كوسيط محايد في الحرب السودانية.
وفي أعقاب تصريحات المتحدث باسم الحكومة الكينية، الدكتور إسحاق مورا، التي أقرّ فيها علنًا يوم 16 يونيو الجاري بتلقي مليشيا الدعم السريع دعماً مادياً من دولة الإمارات، سارعت وزارة الخارجية السودانية إلى إصدار مذكرة احتجاج رسمية في 22 يونيو، وصفت فيها موقف كينيا بأنه شرعنة للتدخل الأجنبي في السودان وانتهاك واضح للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
واتهمت الخرطوم نيروبي بمنح غطاء سياسي ودبلوماسي لكيان إرهابي ارتكب جرائم إبادة جماعية وقتل على أساس عرقي وعنف جنسي، مؤكدة أن هذا السلوك يرقى إلى مستوى التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ويُعدّ عدواناً مباشراً على الدولة السودانية.
وقالت الوزارة إن كينيا انتهكت تعهداتها السابقة بعدم السماح باستخدام أراضيها لأي نشاط عدائي ضد السودان، ودعت المجتمع الدولي إلى إدانة هذه التصرفات، مشددة على حق السودان الكامل في اتخاذ ما يلزم لحماية سيادته.
وفي السياق ذاته، أفادت مصادر مطّلعة أن كينيا استضافت، بشكل منفرد، قمة دعائية نظمتها مليشيا الدعم السريع في نيروبي، أعلنت فيها تشكيل ما يسمى بـ”حكومة السلام والوحدة”، دون مشاركة رسمية موثقة من قيادة الجيش السوداني، وهو ما اعتُبر محاولة لتكريس سلطة موازية غير شرعية.
التحقيقات كشفت أيضاً أن حياد كينيا لم يعد موضع شك، بعد العثور على صناديق ذخيرة داخل مستودعات تابعة لمليشيا الدعم السريع بمنطقة الصالحة في أمدرمان، وتحمل علامات رسمية صادرة عن وزارة الدفاع الكينية، وفق ما وثقته تقارير لمنصتي Bellingcat وNation Media Group.
وتضمّنت الأدلة ذخائر حيّة من منشأ صيني تم تصديرها بعقود كينية رسمية، وتحمل رموزاً تعاقدية واضحة، في ما اعتُبر دليلاً دامغاً على تورّط لوجستي وعسكري مباشر من قبل نيروبي، يتعارض كلياً مع مبادئ الحياد والوساطة الإقليمية.

وزارة الدفاع الكينية ردّت على التقارير بنفي ضمني، مشيرة إلى أن تلك الأسلحة لا تمثل إنتاجًا محليًا، دون تقديم تفسير واضح حول كيفية وصولها إلى السودان، مما زاد الشكوك حول علم وموافقة أطراف داخل المؤسسة الرسمية على هذه الصفقات.

ويرى مراقبون أن الخطاب الكيني الموجّه، والذي اتهم مؤخراً دولاً مثل مصر وإيران بدعم الجيش السوداني، يكشف عن انحياز سياسي واضح لصالح المليشيا، مع تجاهل متعمّد للعلاقات العسكرية المعلنة التي تربط السودان بدول أخرى كالسعودية وتركيا.
وفيما لم تُدن كينيا بعدُ العلاقات الاقتصادية والعسكرية الوثيقة بين الإمارات وإيران – والتي بلغت قيمة تبادلاتها التجارية 19 مليار دولار خلال عام واحد فقط – ركزت انتقاداتها على التعاون الدفاعي السوداني مع طهران، في ما اعتُبر خطاباً انتقائياً يخدم أجندات خارجية بعينها.
تحقيقات أخرى، يُتوقّع الكشف عنها في الأجزاء اللاحقة من هذا الملف، تسلط الضوء على الدور الاقتصادي والاستخباراتي الأعمق الذي تلعبه كينيا في شبكة معقدة من المصالح تضم مليشيا الدعم السريع، وشبكات تبييض الذهب المنهوب، وصفقات السلاح السرية التي تُدار في الخفاء، بمشاركة إماراتية فعالة.
وبهذا، تبدو نيروبي في موقع متقدم من التورط المباشر، لا كوسيط إقليمي، بل كطرف مؤثر في الحرب السودانية، ما يهدد مستقبل دورها الدبلوماسي في إفريقيا، ويضع مصداقيتها على المحك أمام المجتمع الدولي.