
القاهرة تحتفي بالسودان
منوعات _ الهدهد نيوز _ شهدت العاصمة المصرية القاهرة انطلاقة لافتة لفعاليات معرض الكتاب السوداني، الذي نظمته مجموعة من دور النشر السودانية بمقهى “عندليب الثقافي” في حي الفيصل، بمشاركة نخبة من المثقفين والدبلوماسيين والمهتمين بالشأن الثقافي السوداني. وتحوّل المعرض الذي افتُتح في الثاني والعشرين من يونيو إلى منصة حيوية للنقاش الأدبي وعرض الإنتاج الإبداعي في وقت يعاني فيه السودان من ظروف حرب قاسية ألقت بظلالها على الحياة العامة، ولا سيما القطاع الثقافي.
امتد المعرض لعدة أيام متتالية، وشهد تنظيم ندوات فكرية وجلسات حوارية، إضافة إلى حفلات توقيع كتب ودواوين شعرية ومؤلفات حديثة لعدد من الأدباء السودانيين، كما تضمن ليالٍ موسيقية وشعرية عبّرت عن عمق الارتباط الثقافي بين الشعبين السوداني والمصري. وقد حظي المعرض بحضور نوعي ضمّ كتابًا وإعلاميين وأكاديميين، إلى جانب ممثلين عن البعثات الدبلوماسية، ما عزز رمزيته بوصفه فعالية تتحدى ظروف الحرب وتسعى لترسيخ الحضور الثقافي السوداني على الساحة العربية والدولية.
ومن أبرز المحطات التي شهدها المعرض، تنظيم حفل تدشين لكتاب نقدي بعنوان “المتن الروائي المفتوح: فن القص السردي عند الطيب صالح”، للكاتب والناقد السوداني محمد خلف، مساء الخميس الثالث من يوليو. الكتاب يُعد ثمرة عقود من التفاعل النقدي مع أعمال الروائي العالمي الراحل الطيب صالح، وقد تميّز بتناول معمق للنصوص الروائية من زوايا فلسفية ونفسية متنوعة. وقدّمت الإعلامية منى الرشيد نائل الأمسية التي صاحبها نقاشات غنية، حيث أكدت أن الكتاب يفتح أبوابًا جديدة لفهم سرديات الطيب صالح في ضوء قراءات متعددة المستويات.
الكتاب الصادر حديثًا عن “معهد إفريقيا” بجامعة الدراسات العالمية في إمارة الشارقة، يتألف من 224 صفحة، ويضم مقدمة نقدية للناقد عبد اللطيف علي الفكي، إضافة إلى مقدمات متخصصة من الدكتور محمد عبد الرحمن حسن بوب والدكتور أحمد الصادق برير، فضلاً عن ترجمات للكاتبة لمياء شمت. وقد وصف الناقد نادر السماني الكتاب بأنه يمثل قراءة جديدة ومبدعة لأعمال تناولها النقاد مرارًا، لكن خلف استطاع أن يقدم مقاربات مختلفة تجعل من نصوص الطيب صالح موضوعًا متجددًا للتحليل.
ويُذكر أن محمد خلف يُعد من أبرز الأصوات النقدية السودانية المعاصرة، وهو من مواليد حي بيت المال بأم درمان عام 1951، وتخرج في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة الخرطوم في العام 1976. وكان من مؤسسي جماعة “تجاوز” الثقافية، وأسهم في تأسيس اتحاد الكُتّاب السودانيين، كما ترأس رابطة الكُتاب والصحفيين السودانيين في المملكة المتحدة. وله مساهمات بارزة في المجلات الثقافية العربية، وشارك بأوراق بحثية عن الطيب صالح في مؤتمرات عُقدت بلندن والقاهرة.
المعرض الذي احتضنته القاهرة عكس التنوع والحيوية التي يتميز بها المشهد الأدبي السوداني، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وقد شاركت فيه مجموعة من دور النشر السودانية، أبرزها منشورات عندليب، دار المصورات، دار بدوي، الموسوعة الصغيرة، دار الأجنحة، دار نرتقي، دار الكنداكة، مركز الفأل الثقافي، باركود، منشورات كلمات، ودار مدارات للنشر. وقد عُدّت هذه المشاركة الواسعة دلالة على إصرار الناشرين والمثقفين على الاستمرار في التعبير الثقافي، وكسر الحصار الذي فرضته الحرب على الداخل السوداني.
هذا الحدث الثقافي لم يكن مجرد معرض كتب، بل مثّل فعلًا رمزيًا يشير إلى قوة الأدب في مواجهة آلة الحرب، ويعكس أن الثقافة ما تزال قادرة على فتح نوافذ للحياة وسط الركام. كما أظهر أن للمثقفين دورًا أساسيًا في حفظ الذاكرة الجمعية، وتعزيز التواصل مع الأجيال الجديدة عبر منابر المعرفة والنشر والإبداع، ما يعيد للثقافة السودانية مكانتها في الخارطة الثقافية العربية.